محمد أبو زهرة

1378

زهرة التفاسير

هذه الآية وما وليها من آيات فيها عود إلى التحذير مما يريده أهل الكتاب والمنافقون من أهل الإيمان والإخلاص ، فقد قال تعالى من قبل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ ( 100 ) [ آل عمران ] وبين وجوب الاعتصام بحبل اللّه تعالى وهو كتابه تعالت كلماته ، وعظمت آياته ، لتتم الوحدة الإسلامية ، ثم ذكر من بعد ذلك بعض أحوال أهل الكتاب ، وما عساه قد يكون في بعضهم من خير ، وما عليه سائرهم من شر ، وفي هذه الآية يحذر تحذيرا شديدا من نوع آخر ، فقد كان التحذير متجها إلى الحث على اليقظة الفكرية ، حتى لا يفسد أهل الكتاب على المؤمنين دينهم الذي ارتضوا ، فبين أنه لا يصح الاسترسال في إرضائهم ، فإنه لا يرضيهم من المؤمن إلا أن يخرج عن دينه ويطرحه وراءه ظهريا ، وأن يسير وراء ركبهم ، ولقد قال سبحانه : وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ . . . ( 120 ) [ البقرة ] . فالتحذير هنالك للخوف على العقيدة أن يفسدها هؤلاء ، أما التحذير هنا فهو للخوف من أن يفسد أولئك المنافقون من أهل الكتاب الجماعة الإسلامية ، وينشروا فيها الاضطراب ، وألا يكون نظام قائم ثابت الدعائم ، ولذا قال سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ بطانة الرجل : خاصته الذين يعرفون خفايا أمره ، ومكنون سره ، ويستبطنون ما يخفى على غيرهم ، فيعرفون موضع قوته وضعفه ، ويتخذ منهم مستشاريه الذين يستشيرهم ، ويستنصحهم إن احتاج إلى نصيحة ، وأصل البطانة خلاف الظهارة ، وتطلق على الثوب الخفي الذي يكون باطنا غير ظاهر ، وقد استعير اللفظ للدلالة على الذين يختصون بالاطلاع على باطن أمر الشخص ، وكأنه شبه الذين يختصون بشؤون الشخص خفيها وظاهرها ببطانة الثوب التي تلاصق الجسم أو تقاربه ، لقوة الاتصال في كل منهما ، ولأن كليهما يمس ذاته وشخصه : بطانة الثوب تمسه حسا ، وبطانة الرجل تمسه معنى ، وكما أن الأولى أدرانها تكون أمكن في الأذى وتكون أسرع ، كذلك الثانية تكون أمكن وأقوى تأثيرا وأسرع .